ابن ميمون
389
دلالة الحائرين
وحدوثه كما بينا . كذلك الآراء أيضا في النبوة ثلاثة ولا اعرّج على رأى افيقوروس ، لأنه لا يعتقد وجود إله . فناهيك ان يعتقد نبوة . وانما اقصد لذكر آراء معتقد الإله . الرأي الأول : وهو رأى جمهور الجاهلية ممن يصدّق بالنبوة وبعض عوام « 1142 » شريعتنا أيضا يعتقدونه « 1143 » وهو ان اللّه « 1144 » تعالى يختار من يشاء من الناس فينبّيه ويبعثه . لا فرق ان يكون ذلك الشخص عندهم عالما أو / جاهلا ، كبير السن أو صغير السن ، لكنهم يشترطون فيه أيضا خيريّة ما ، وصلاحية اخلاق . لان الناس إلى هذه الغاية ما قالوا إنه قد ينبّئ اللّه رجلا شريرا ، الا بان يردّه « 1145 » خيّرا أولا بحسب هذا الرأي . والرأي الثاني : رأى الفلاسفة وهو « 1146 » ان النبوة كمال ما في طبيعة الانسان . وذلك الكمال لا يحصل للشخص من الناس الا بعد ارتياض يخرج ما في قوة النوع للفعل ان لم يعق عن « 1147 » ذلك عائق مزاجى ، أو سبب ما من خارج كحكم كل كمال « 1148 » يمكن وجوده في نوع ما . فإنه لا يصح وجود ذلك الكمال على غايته ونهايته في كل شخص من اشخاص ذلك النوع ، بل في شخص ما . ولا بد ضرورة وان كان ذلك الكمال مما يحتاج في حصوله لمخرج ، فلا بد من مخرج . وبحسب هذا الرأي لا يمكن ان يتنبأ الجاهل ولا يكون الانسان يمسئ غير نبي ويصبح نبيا كمن يجد وجدة ، بل يكون الامر هكذا . وذلك ان الشخص الفاضل الكامل في نطقياته وخلقياته ، إذا كانت قوته المتخيلة / على أكمل ما تكون وتهيأ التهيؤ الّذي ستسمعه ، فإنه يتنبأ ضرورة ، إذ هذا كمال هو لنا بالطبع ولا يصح بحسب هذا الرأي ان يكون شخص يصلح للنبوة ، ويتهيأ لها ولا يتنبأ الا ما يصح ان يغتذى شخص صحيح المزاج بغذاء محمود ، فلا يتولد من ذلك الغذاء دم جيد ، وما أشبه هذا .
--> ( 1144 ) اللّه : ت ، الاله : ج ( 1142 ) عوام : ت ج ، عوام أهل : ن ( 1143 ) : يعتقدونه : ج ، يعتقده : ت ( 1145 ) يرده : ت ، يريده : ج ( 1146 ) وهو : ت ، هو : ج ( 1147 ) : عن : ت ، من : ج ( 1148 ) كمال : ت ، كامل : ج